سيد قطب
1180
في ظلال القرآن
العباد ؛ وألا يكون لغيره أمر ولا نهي ، ولا شرع ولا حكم ، ولا تحليل ولا تحريم . . فهذا كله من خصائص الألوهية ، ولا يجوز أن يزاوله في حياة الناس أحد من دون اللّه ، لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يمنح ولا يمنع ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا في الدنيا ولا في الآخرة . . وسياق السورة يسوق على هذه القضية أدلته في تلك المشاهد والمواقف والإيقاعات البالغة حد الروعة الباهرة ، والتي تواجه القلب بالحشود الحاشدة من المؤثرات الموحية ، من كل درب ومن كل باب ! « والقضية الكبرى التي تعالجها السورة هي قضية « الألوهية والعبودية » في السماوات والأرض في محيطها الواسع ، وفي مجالها الشامل . . ولكن المناسبة الحاضرة في حياة الجماعة المسلمة حينذاك . . المناسبة التطبيقية لهذه القاعدة الكبيرة الشاملة . . هي ما تزاوله الجاهلية من حق التحريم والتحليل في الذبائح والمطاعم ؛ ومن حق تقرير الشعائر في النذور من الذبائح والثمار . . والأولاد . . وهي المناسبة التي تتحدث عنها هذه الآيات في أواخر السورة : « فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم . إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه . إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه ، وإنه لفسق ، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . . . ( 118 - 121 ) « وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فقالوا : هذا للّه - بزعمهم - وهذا لشركائنا . فما كان لشركائهم فلا يصل إلى اللّه ، وما كان للّه فهو يصل إلى شركائهم . ساء ما يحكمون ! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ، ليردوهم ، وليلبسوا عليهم دينهم . ولو شاء اللّه ما فعلوه ، فذرهم وما يفترون . وقالوا : هذه أنعام وحرث حجر ، لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها ، وأنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرم على أزواجنا ، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم . إنه حكيم عليم . قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرموا ما رزقهم اللّه - افتراء على اللّه - قد ضلوا وما كانوا مهتدين » . . . ( 136 - 140 ) . « هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة . . قضية التشريع والحاكمية . . ومن ورائها القضية الكبرى . . قضية الألوهية والعبودية التي تواجهها السورة كلها ، ويعالجها القرآن المكي كله ، كما يعالجها القرآن المدني أيضا ، كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع . « والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات ، وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور - وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق الحاكمية والتشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها . . قضية الألوهية والعبودية . . وجعلها مسألة إيمان أو كفر ، ومسألة إسلام أو جاهلية . . هذا الحشد - على هذا النحو الذي سنحاول أن نستعرض نماذج منه في هذا التعريف المختصر بالسورة ، والذي سيتجلى على حقيقته في المواجهة التفصيلية للنصوص في السياق بعد ذلك - يوقع في النفس تلك الحقيقة الأصيلة في طبيعة هذا الدين . وهي أن كل جزئية صغيرة في الحياة الإنسانية يجب أن تخضع خضوعا مطلقا لحاكمية اللّه المباشرة الممثلة في شريعته . وإلا فهو الخروج من هذا الدين جملة ، من أجل الخروج على حاكمية اللّه المطلقة في تلك الجزئية الصغيرة .